.. (الضيوف)..
في يوم من أيام شهر يوليو (تموز)1960م هبط على قريتنا ثلاثة أغراب بسيارتهم الفارهة،وسألوا عن بيت الأستاذ "عبدالمطلب الحسيني"،فتطوع العشرات لإرشادهم،وأحاط بهم العشرات من الأطفال إحاطة السوار بالمعصم،والقلادة بالعنق، فمجيئهم حدث ضخم يجتذب فضول القرويين وتطفلهم،حيث لاجديد بقريتنا،فكل يوم يشبه أخاه رتابة وبطئا ومللا،وقدوم الغرباء يحدث هزة تشبه إلقاء حجر ضخم في ماء آسن، لذا نظر إليهم الأطفال والصبية وكأنهم كائنات فضائية هبطت عليهم من السماء؛حيث كانوا يرتدون الزي الخليجي المكون من ثوب ناصع البياض،وعلى رؤوسهم الغترة والعقال.
وصل الضيوف إلى بغيتهم في موكب قروي،ورحب الأستاذ عبدالمطلب بضيوفه،وزجر الأطفال،واختفي بضيوفه داخل منزله الريفي الفسيح،وتطايرت رقاب الحمام والدجاج والبط لأعداد طعام الغذاء للضيوف،وأصبح البيت خلية نحل من ربة المنزل"الملكة"ومساعداتها من "الشغالة"،بمصاحبة لحن لا يهدأ من ارتطام الأواني والملاعق والسكاكين والأطباق.
وفي خارج المنزل جرى خبر الضيوف بين أبناء البلدة بسرعة البرق،تتلقف الآذان الخبر لتنطلق به الألسنة في الحال
وما هي إلا دقائق حتى غطى الخبر قريتنا من أولها لآخرها ومن آخرها لأولها،لدرجة تجعلك تشعر أن أبناء القرية وبهائمها وحميرها وكلابها وقططها وفئرانها وبعوضها على علم بالخبر.
كانت ربة المنزل أمية لا تقرأ، وابنة "للحاج مغاوري"الذي يعمل ميكانيكي قاطرات في السكة الحديد،ويمتلك خمسة أفدنة،ولكي يضمن لابنته زوجا حكوميا محترما فقد زوجها للأستاذ"عبدالمطلب"،وهو مايزال في السنة الأخيرة من دراسته الجامعية،وتكفل بمصاريفه الدراسية،ومصاريف ابنته وجهزهما بكل مستلزمات بيت الزوجية،وباع فدانا من أرضه مقابل ذلك
تخرج الأستاذ من الجامعة، وعمل بإحدى الوزارات،وصار مرموقا، وسافر للخارج،وظلت زوجته على أميتها،فأراد أن يستكمل وجاهته الاجتماعية،ليطاول عنقه أزواج المتعلمات من أقرانه،لذا بذل جهدا هائلا لتعليمها من المنزل،إلى أن حصلت على الشهادة الجامعية عن طريق الانتساب،غير أن الحصول على الشهادة شيء،والثقافةوتعلم فنون الكلام والمجاملة والنقاش والذوق شيء آخر،فكانت لكي تبدو في قمة أناقتها ترتدي النظارة الشمسية الداكنة في الليل البهيم عند زيارتها لبعض المتعلمات بالقرية،وتحمل في عنقها ويديها أثقالا من الذهب.
سمع أبوها بخبر الضيوف،فانطلق ليرحب بهذه الكائنات الخليجية،ويفاخر بمصاهرته للأستاذ"عبدالمطلب " وكان الحاج مغاوري شديد الطيبة والكرم وغير متكلف،كما كان قصير القامة،أشيب الشعر،أفطس الأنف،متوسط الشارب،له حاجبان عريضان مقوسان غزاهما الشعر الأبيض،يرتدي طاقية رأس وجلبابا من جلابيب أهل القرى،ورقبتة قصيرة تختفي بين كتفيه، ويداه غليظتان جافتان معروقتان خشنتان من أثر الفلاحة،واصطبغ جلدهما بسواد شديد حتى الأظافر نتيجة عمله بقاطرات السكة الحديد.
دخل الرجل إلى منزل زوج ابنته،فوجدهما يشرفان على اللمسات الأخيرة لمائدة الضيوف،وحين طالعه زوج ابنته اصفر وجهه،وغادرت الدماء بشرته ،وانتحى بزوجته،وأسر لها كلمات، ثم اتجه مسرعا لضيوفه،بعدها أخذت الزوجة أباها وقالت:
--- لو سمحت يا أبي..لا تقابل الضيوف .
--- ما السبب؟
--- يداك متسختان من الشحوم والزيوت،ولا يمكن أن تتناول الطعام معهم بهاتين اليدين.
استدار الرجل إلى الخارج مخلفا وراءه بيت ابنته إلى غير رجعة،وهو يمضغ مرارته،وقد تحولت ذكريات تربيته لها إلى حبل غليظ يعتصر عنقه فيمنعه من التنفس بعد أن أصابته فلذة كبده في مقتل.
RSS Feed
Twitter
سبتمبر 23, 2017
Unknown
0 التعليقات:
إرسال تعليق