..(عش النمل).
في شهر أغسطس 1990م جلس أحمد عبدالظاهر يتناول طعام الغذاء مع زوجته وأبنائه بسعادة غامرة بعد أن تحقق حلمه ببناء بيت يتسع له ولأبنائه
كان الجو شديد الحرارة على غير المعهود،والشمس صريحة في كبد السماء؛ترسل على الأرض حمما فتحيل تراب قريتنا جمرا،فكفت كل الكائنات عن الحركة،وخيم الصمت المطبق على القرية؛صمت لا يجرؤ صوت على أن يخدشه أو يعكره.
كان أ"حمد عبد الظاهر" في الخمسين من عمره،أسمر البشرة متوسط الطول،نحيف الجسم،تركت الأيام بعض التجاعيد الخفيفة على الوجه،يحيط رأسه بعمامة بيضاء،ويرتدي جلباب أهل الريف،وهو ككل أبناء القرى الطيبين المسالمين القانعين الذين يخشون السلطة،أحلامه صغيرة،وآماله ضيقة،وتطلعاته لا تتعدى طلب الستر في الدنيا،والفوز بالجنة في الآخرة.
بدأ الفلاحون البناء على الأرض الزراعية بعد أن ضاقت عليهم بيوتهم،ولم توفر الحكومة بديلا آخرلهم وتركتهم حتى
أكملوا البناء الذي لم يكن سرا خافيا، ولم يكتمل بين عشية وضحاها، ثم أغارت بجحافلها من الجنود وآلات الهدم والتجريف على بيوت الفلاحين التي تم بناؤها حديثا.
فوجيء أهل القرية بأصوات تقتل صمتها ،من جرافات وعربات شرطة تمزق أستار السكون بأصواتها المميزة،فأطل الأهالي من بيوتهم متوجسين خائفين،فإذا بكوكبة من الجنود المسلحين تهبط من سيارات الشرطة يتقدمهم المأمور لتنفيذ أمر إزالة لمجموعة من البيوت المخالفة بادئا ببيت أحمد عبد الظاهر،وقائلا لجنوده :
---أخرجوا السكان من بيوتهم بالقوة قبل الهدم!!
توجه أحد الضباط إلى أحمد عبدالظاهر قائلا:
----عليك مغادرة المنزل أنت وعائلتك فورا. فقال:
---لن نترك بيتنا حتى لو هدمتموه فوق رؤوسنا..
حاول الجنود انتزاعه وأبناءه بالقوة،لكنه تعلق بباب البيت باستماته،فتقدم إليه أحد الضباط وسدد إلى صدره لكمة ساحقة ماحقة،فألقته على ظهره بلا حراك،فأطلقت زوجته "نبوية" صرخة مدوية مستغيثة قائلة :
---أحمد مات يا أولاد!!
---قتلوا أحمد...يا أهل البلد.... ياخرابي!!
بعدها تحولت الحياة الراكدة إلى موج هادر وسيل جارف يكتسح الأخضر واليابس، وتقاطر الآلاف من ألفلاحين تقاطر الأسود على فرائسها، فإذا بآلاف الأحجار تصوب على الجنود وقائدهم من كل حدب وصوب، من الأرض ومن فوق الأسطح ومن النوافذ والشوارع والأزقة..جيوش من النمل لا تنتهي .
فر الجنود وقائدهم من ساحة المعركة طلبا للنجاة، مخلفين آلات الهدم وراءهم، ومشرذمين بين الحقول، والأحجارتتبعهم
فقفزوا في الترع والمصارف ، يخوضون في أوحالها،ويحتمون بحشائشها إلى أن استطاعوا النجاة بأبدانهم، تاركين قبعاتهم تطفو فوق سطح الماء،وعادوا إلى قسم الشرطة وقد اكتست أجسامهم بالطين من قمة رؤوسهم إلى أخماص أقدامهم،في مشهد "كوميدي"ضاحك،وكسب الفلاحون المعركة.
(عبدالله عبده )
RSS Feed
Twitter
أكتوبر 05, 2017
Unknown
0 التعليقات:
إرسال تعليق